ابن عجيبة
428
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الضمان الذي في قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ، وقد يكون واجبا لقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فجعله شرطا في الإيمان ، ولظاهر قوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ؛ فإن الأمر محمول على الوجوب . واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب : الأولى : أن يعتمد العبد على ربه ، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده ، الذي لا يشك في نصيحته له وقيامه بمصالحه . الثانية : أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه ؛ لا يعرف سواها ولا يلجأ إلّا إليها . الثالثة : أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل ، قد أسلم إليه نفسه بالكلية . فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه ، بخلاف صاحب الثانية . وصاحب الثانية له حظ من الاختيار ، بخلاف صاحب الثالثة . وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص ، الذي تكلمت عليه في قوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه . فإن قيل : هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا ؟ فالجواب : أن الأسباب على ثلاثة أقسام : أحدها : سبب معلوم قطعا قد أجراه اللّه ، فهذا لا يجوز تركه ؛ كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد . الثاني : سبب مظنون : كالتجارة وطلب المعاش ، وشبه ذلك ، فهذا لا يقدح فعله في التوكل ، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن ، ويجوز تركه لمن قوى عليه . والثالث : سبب موهوم بعيد ، فهذا يقدح فعله في التوكل ، قلت : ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر ، وشبه ذلك . ثم فوق التوكل التفويض ، وهو : الاستسلام لأمر اللّه تعالى بالكلية ، فإن المتوكل له مراد واختيار ، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه ، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار ، بل أسند الاختيار إلى اللّه تعالى ، فهو أكمل أدبا مع اللّه . ه وأصله للغزالي ، وسيأتي بقية الكلام عند قوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ . وباللّه التوفيق . ولما أمر نبيّه - عليه الصلاة والسلام - بالتوكل ، رغب فيه جميع عباده ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 )